ابن ميثم البحراني

442

شرح نهج البلاغة

فأمّا ضجيج الدار والأفنية بأصوات الملائكة ملأ يهبط منهم وملأ يصعد بحيث لا يفارق هينمتهم سمعه في حال صلاتهم عليه إلى أن واراه في ضريحه . فقد عرفت كيفيّة سماع البشر لأصوات الملائكة في مقدّمات الكتاب ، وكذلك صلاتهم تعود إلى وساطتهم في إفاضة الرحمة من اللَّه تعالى على العباد ، وكذلك علمت معنى الصعود والهبوط منهم فيما سبق . واعلم أنّ حمل الكلام على ظاهره عند الإمكان أولى من التعسّف في التأويل ، وذكر هذه الفضيلة بهذه المقامات تجرى مجرى صغرى قياس ضمير من الشكل الأوّل استدلّ به على أنّه لا أحقّ منه به . وتقدير كبراه : وكلّ من كان ذلك معه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم . فهو أحقّ به . وحينئذ يتبيّن أنّه لا أحقّ به منه ، وأراد أنّه لا أحقّ بالمنزلة والقرب منه . ففي حياته بالأُخوّة والوزارة ، وبعد موته بالوصيّة والخلافة إذ لا يريد أنّه أحقّ بذاته فبقي أن يريد كونه أحقّ به في المنزلة وولاية أمره بعده . ثمّ عقّب ذكر فضيلته بأمرهم أن يمضوا في جهاد عدوّهم على بصائرهم : أي عقايدهم أنّهم على الحقّ وأنّ عدوّهم على الباطل ، وأكَّد تلك العقائد بالقسم البارّ أنّه فيما يأمرهم به على طريق الحقّ ، وأنّ خصومه على مزلَّة الباطل ، وذكر الجادّه للحقّ جذبا إليه ، والمزلَّة للباطل تنفيرا عنه ، ولأنّ الباطل لا طريق واضحة له بعلم حقّ أو برهان صدق كما عليه الطريق الحقّ ، وباقي الكلام خاتمة الخطبة . وباللَّه التوفيق . 189 - ومن خطبة له عليه السّلام يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ - ومَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ - واخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ - وتَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ - وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللَّهِ - وسَفِيرُ وَحْيِهِ ورَسُولُ رَحْمَتِهِ